الجمعة، 14 يوليو، 2017

"رحم الله امرءًا عرف قدر نفسه "

سم الله الرحمن الرحيم



و "رحم الله امرءًا عرف قدر نفسه "

الحمد لله معزّ من أطاعه ومذلّ من عصاه,وأشهد أن لا اله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وصفيُّه وخليله ,صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وبعد:
- فالذي وفقه الله لمعرفة ربِّه بأسمائه الحسنى وصفاته العلى عرف نفسه بخِسَّتها ودنائتها فلم يألُ جُهدًا في ذمِّها وحمدِ مولاه ,وإذلالِها في عبادة الله,يرى نعم الله عليه متوالية,ونفسُه عن شكرها متوانية ,فيحمد الله على نعمه ويستغفره من تقصيره ,نعوذ بالله من ألسنة تصف وأفعال تخالف ونسأله حسن القصد وحسن الختام .

- وأما الأبعد عفانا الله ,الذي ما عرف مولاه ,يحمد نفسه لا يحمد الله ,ويلوم الناس على ما أصابه بما كسبت يداه ,ويُرضى نفسه بسخط الله .
- ولأجل بيان ما جاء في العنوان ولا بيان إلا ماجاء في القرآن والسنة,أقول والله المستعان : لكلٍّ منَّا حالان:

حال مع الله وحال مع عباد الله:

الأول : حالنا مع الله:

- الذي وفَّقه الله لمعرفة نفسه علِم أنَّه فقيرٌ إلى رب العالمين,قال تعالى:
"يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (فاطر15)
كيف وقد قال موسلى الكليم: رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (القصص24)

- علم أنه من بني لآدم , ولذا فهو ممَّن قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -فيهم: "كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ"
وهو من عباد الله ممَّن قال فيهم الله "يا عبادي كلُّكم ضالٌّ إلَّا من هديته فاستهدوني أهدكم "

- ولم ينس أنه مخلوق من تراب فلا يفخر على أحد من إخوانه قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "إن الله عزَّ وجلَّ قد أذهبَ عنكم عبيَّة الجاهِليَّةِ وفَخْرَها بالآباء، مُؤمِنٌ تقيٌّ، وفَاجِرٌ شقيٌّ، أنتم بنو آدَمَ، وآدمُ مِن تُرابِ،" (السلسلة الصحيحة 2803)

- وعلم أن النَّفس أمارة بالسُّوء إلا من رحم الله كما أخبر الله في كتابه,فلا يصدر عن شيء من هواها ولا يعطيها مبتغاها ممَّا يضرُّها ولا ينفعها.
هذا الذي ينبغي أن نكون عليه وأنَّنا فقراء إلى ربِّنا لو وكَّلنا إلى أنفسنا طرفة عين لهلكنا, وأنَّنا نذنب بالليل والنَّهار والله يبسط يده للتائبين ,وأنَّه لولا الله لما اهتدينا ولا صُمنا ولا صلَّينا كما قال صحابة نبيِّنا ,وأنَّ الفضل لله في كل شيء فلا يفخر أحد على أحد . ولا يحسُد أحد أحدًا :" ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ"

- أما آن لنا أن نعمل بما نعلم وربنا يقول :(فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى)
- وقاله بعضهم :لأهل الفضل فضل ما لم يروه، فإذا رأوه فلا فضل لهم، ولأهل الولاية ولاية ما لم يروها، فإذا رأوها فلا ولاية لهم.

ومما يذكره أهل العلم من آداب الجلوس أن لا يجلس الضيف إلا حيث يؤذن له, فقد يُعِدُّ صاحب البيت مكانا خاصًّا للمشايخ والعلماء ,فإذا تزاحم النَّاس أُبعد المخلُّ بالأدب من قريب ,ودعي أهل الفضل من بعيد ,ولأن تُدعى من بعيد خير لك من أن تقصى من قريب.

- لسنا علماء ولو تكلَّمنا بكلامهم وتشبَّهنا بأحوالهم وهذا مطلوب, والواجب أيضا
أن لا نجاوز قدر أنفسنا وان لا يكون كلامنا أكثر من علمنا , قال ابن مسعود رضي الله عنه "إنكم في زمان كثير علماؤه قليل خطباؤه وسيأتي بعدكم زمان قليل علماؤه كثير خطباؤه. فمن كثر علمه وقلَّ قوله فهو الممدوح ومن كان بالعكس فهو مذموم".
[بيان فضل علم السلف على علم الخلف ص63]

- لابدَّ أن يعرف الناس من أقوالنا وأحوالنا أنَّا لسنا من العلماء لئلا يلقّبونا بألقابهم ويعاملونا كمعاملتهم. قيل للحسن وهو من أورع الناس: يا عالم، قال: هل رأيت عالماً قط؟ إنما العالم من يخشى الله عز وجل.

-لسنا من الصَّالحين ولو توهَّمنا ذلك وسوَّلت لنا أنفسنا أنَّنا كذلك, وظنَّ الناس فينا الخير والصلاح , شئنا أم أبينا هذ هو الحقُّ الذي لا غبار عليه, فمن لم يصدِّق فليعرض نفسه على القرآن ولينظر في صفات المؤمنين من بداية سورة المؤمنون وصفات عباد الرحمن من أواخر سورة الفرقان ,فسينقلب البصر إليه خاسئا وهو حسير , وليعدَّ ما في نفسه من خصال الخير ,قال يونس بن عبيد: إني لأجد مائة خصلة من خصال الخير ما أعلم أن في نفسي منها واحدة.
- وليتأمل في حال السلف أويس, القرني سيد التابعين , زكَّاه سيد ولد آدم أجمعين وقال للصحابة" من لقيه منكم فليسأله أن يستغفر له"
فلمَّا بلغه ما قيل فيه اختفى فلم يقفوا له على أثر.واللبيب له في هذا أبلغ معتبر .
وليتأمل في ما جاء عن السَّلف :

كان عبد الله بن المبارك إذا ذكر أخلاق من سلف ينشد:
لا تعرضن بذكرنا مع ذكرهم ... ... ليس الصَّحيح إذا مشى كالمقعد

وقال الشافعي :
أحبّ الصالحين ولست منهم ... لعلي أن أنال بهم شفاعة
وأكره من بضاعته المعاصي ... ولو كنا سواءً في البضاعة
وقال محمد بن واسع: لو كان للذنوب ريح ما قدر أحد أن يجلس إلي.

هذا حالنا , والله المستعان وما لجرح بميِّت إيلام ,ردَّ بن عمر على من قال له :ادع الله لنا فقال : إنا لسنا بأنبياء, وفي رواية قال "ونحن من يدع الله لنا"
وجاء أحدهم لأحمد بن حنبل فسأله الدعاء لأمّه,فرده ردّا جميلا فلما خلا دعا لها مخبتا متضرِّعا عليه رحمة الله , أما نحن :

فلا تعرضن بذكرنا مع ذكرهم ... ... ليس الصَّحيح إذا مشى كالمقعد
هذا حالنا مع الله ...وأقف عند هذا الحدّ عملا بنصيحة أخي جابر وفّقه الله
ولعل الله ييسر إكمال المقال .في ما هو آت ان شاء الله

وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا اله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك
...منقول...


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق