الأحد، 16 يوليو، 2017

حقيقة المنهج السلفي وأحقيّة الانتساب إليه، إعداد: بوودن دحمان.

حقيقة المنهج السلفي وأحقيّة الانتساب إليه.
إعداد: بوودن دحمان.
الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله، و على آله و صحبه ومن اتبع هداه، و بعد:
فإنّ رسول الله لم يتوفاه ربه عزّ وجلّ حتى تركنا على الطريق الواضحة، و قد أخبرنا كما في الحديث الصحيح الذي أخرجه الترمذي والحاكم وغيرهما عن الافتراق الذي سيحدث في أمته من بعده، فقال عليه الصلاة و السلام مبيّنًا سبيل النجاة منه: "افترقت اليهود علي إحدى وسبعين فرقة وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي علي ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلاّ واحدة، قالوا ما هي يا رسول الله ؟ قال: هي ما أنا عليه وأصحابي، وفي رواية قال: الجماعة " و قد اصطلح العلماء المتأخرين على تسمية هذه الجماعة بالسلفيين، غير أنّ هذا الاصطلاح لم يتلق ترحيبًا عند بعض المنتسبين إلى الإسلام، بل حتى عند بعض الغيورين عليه، ظنًّا منهم أنّ في ذلك تفرقة للمسلمين، فحسبوا أنّ السلفية فرقة كغيرها من الفرق، بل التبس الأمر على بعضهم فألصق بدعة تكفير المسلمين بالسلفية! وأنّ السلفيين لا يهتمون إلاّ بالظواهر والشكليات مع ما فيهم من التشدد في الدين!... وغير ذلك مما هو شائعٌ ذائعٌ عند بعض العوام، و لذلك كان من الواجب على أتباع هذا المنهج المبارك، أن يبينوا للناس حقيقته ومعنى الانتساب إليه وكذا السمات التي تميزه عن غيره من المناهج.
فالسلفية نسبة إلى السلف الصالح رضوان الله عليهم، وهم أهل القرون الثلاثة المفضلّة، من الصحابة، والتابعين، وأتباعهم، فمن سار على نهجهم، ولزم طريقهم: علمًا، وعملًا، وفهمًا، وسلوكًا، فهو سلفي وإن لم يتسم بهذا الاسم، و قد ظهر مصطلح "السلفية" في العصر العباسي كرد فعل لمن عُرفوا "بـالخلف"، وتبلور هذا المسمى على يد شيخ الإسلام ابن تيمية ، وقد عُرف من قبل بأسماء كثيرة، منها: أهل السنة والجماعة، أهل الحديث، أهل الأثر، الفرقة الناجية، الطائفة المنصورة، أنصار السنة... وكل هذه الألقاب الشريفة لا تحمل معاني تتعارض مع الشرع، بل منها ما هو منصوص عليه بنص الشرع، وقد جاءت في أغلبها لمناهضة ألقاب أهل البدع، فيقال: أهل السنة في مقابل أهل البدعة، و يقال: أهل الحديث في مقابل أهل الرأي، و لما مجّد أهل الأهواء الخلف واعتزوا بهم، مجّد أهل الحق السلف وانتسبوا إليهم، فكل هذه الألقاب تشير إلى ما كان عليه رسول الله وأصحابه، فمن انتسب إلى هذا المنهج وسلك سبيله، فمعنى ذلك أنّه ليس بخارجي يستحل دم المسلم بالمعصية، ولا رافضي يكفر الصحابة، ولا محرف يتأول صفات الله بالباطل، ولا حلوليا يقول بوحدة الوجود، أو صوفيا يتبرك بالقبور...
و قد يقول قائل: ألا يكفي أن نقول: نحن مسلمين؟ فنقول له: كان هذا يسع من كان قبلنا في الصدر الأول من الإسلام، حيث لم يظهر التصدّع في الأمة بعد، فوقتها لم يكن يسوغ لأحد أن يتسمّى بغير الإسلام، و لكن بعد ظهور الفرقة في الأمة وأصبح الكل يدعي الإسلام الصحيح، كان من الضروري تمييز الإسلام الذي كان عليه النبي و أصحابه من الإسلام الذي أنتحله أهل البدع، ومن هذا الباب استخدمت تلك الألقاب الشريفة، للتمييز لا للتفريق، ونظير هذا ما قاله الإمام أحمد لما سئل: ألا يسعنا أن نقول: القرآن كلام الله ونسكت؟ فقال: "كان هذا يسع من كان قبلنا -أي قبل ظهور فتنة القول بخلق القرآن- أمّا نحن فلا يسعنا إلا أن نقول: القرآن كلام الله غير مخلوق".
ومن جهة أخرى، فإنّ إطلاق الأسماء على أية حقيقة لا ضرر فيه مطلقا ما دام أنّ هذا الاسم لا يشتمل على باطل، فإنّه لا مشاحة في الاصطلاح، وقد سُمّي بعض المسلمين بالمهاجرين من أجل الهجرة، وسُمّي آخرون بالأنصار من أجل النصرة، وسُمّي آخرون بالتابعين لإتباعهم الصحابة، وسُمّي آخرون بالسلفيين لإتباعهم طريقة السلف، فالتسمي بالسلفية ليس بديلاً عن التسمي بـالإسلام، بل هو توضيح لذلك الإسلام الذي انتهجه الصحابة ومن تبعهم بإحسان، ومع هذا فالسلفيون لا يتعصبون لهذا الاسم، فهم يوالون كل مسلم علي قدر إتباعه للإسلام، كما أنّه لا تعارض بين أن يكون المرء سلفيًا وأن يكون مالكيًا أو شافعيًا...فالسلفية تمثل الامتداد الطبيعي للإسلام الصافي الذي كان عليه النبي وأصحابه، كما جاء في الحديث الصحيح: "لا تزال طائفة من أمتي على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك" رواه مسلم.
فإن قيل: وهل للسلف مزية على الخلف تستوجب إتباعهم؟ فالجواب: إنّ إتباع طريقة السلف في أمر الدين هو مظنة الصواب والرشاد فيه، وذلك لأنّهم عاشوا مع النبي وتلقوا عنه وهو المعصوم ، فهم أفهم الناس للكتاب والسنة، لأنّهم شاهدوا مواقع التنزيل بل ونزل الوحي في أعيانهم، وهم فوق ذلك زكاهم الله تعالى ورضي عنهم، زكّى الله اعتقادهم وإيمانهم فقال: "فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق "-البقرة: 137- وزكّى الله أعيانهم فقال الله في شأن المهاجرين: "للفقراء المهاجرين الذين أٌخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون" -الحشر : 8- وقال في شأن الأنصار: "والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون علي أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون " -الحشر : 9 -وقال في شأن أهل بيعة الرضوان: "لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا -الفتح : 18 -وقال عن الصحابة جملة:"وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء علي الناس و يكون الرسول عليكم شهيدا" -البقرة : 143- وقال عن السلف عامة :"والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه و أعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم" -التوبة : 100- والنبي صلي الله عليه وسلم لما سُئل: أي الناس خير ؟ قال: "خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم"- البخاري ومسلم- فكل خير في إتباع من سلف وكل شر في ابتداع من خلف، وأمّا مقولة: "طريقة السلف أسلم و طريقة الخلف أعلم وأحكم!" فالقصدُ منها تمجيد علماء الكلام والإساءة إلى سلف هذه الأمة بنسبتهم إلى القصور في العلم والحكمة، ولازم ذلك أنّ أهل القرون المفضولة أعلم وأفضل من أهل القرون الفاضلة، وهذا يقوله من لم يقدر السلف حق قدرهم، بل ولا عرفهم حق المعرفة، ثم إنّه لا يعقل أن تكون طريقة ما أسلم وغيرها أعلم وأحكم، لأنّ الأسلم يستلزم أن يكون أعلم وأحكم، فلا سلامة إلا بعلم بأسباب السلامة وحكمة في سلوك هذه الأسباب، كما يلزم من تلك المقولة أن يكون الخلف أعلم بالله من الرسول و الصحابة! وهذا قد يوصل إلى الكفر والعياذ بالله كما قال علماءنا عليهم الرحمة، لأنّه يستلزم تجهيل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
والسلفية ليست حقبة تاريخية مضت وانقضت كما يقول البعض، بل هي منهج له أصول وقواعد، ومعرفة خصائص هذا المنهج مما يعين على تحديد معالمه وتمييزه عن تلك المناهج التي تنتسب إليه ظلمًا وزورا، فمن أبرز خصائص المنهج السلفي:
تجريد الإخلاص والمتابعة: أي ترك الانتساب لأحد إلاّ لله بالعبودية ولرسوله بالمتابعة، فغايته تعبيد الخلق للحقّ سبحانه، مع الحرص على موافقة الشرع الذي جاء به النبي في ذلك، فالتركيز على هذه القضية من أخص خصائصه.
الاعتصام بالكتاب والسنة: وذلك بالرّد عند التنازع إليهما، وتقديم قول الله وقول رسوله على قول كل قائل، فهذا المنهج لا يعتمد فيه على عقول الرجال وآرائهم ولا على الأهواء والأذواق ولا يأخذ فيه بالعواطف، بل هو منهج مقيد بالنصوص الشرعية.
تقديم النقل على العقل: وذلك عند توهّم التعارض بينهما، وإلاّ فلا تعارض بين العقل الصريح والنقل الصحيح، ويتفرع عن هذا: البُعد عن التأويلات الكلامية التي تؤدي إلى نقض عرى الإسلام وتمييع عقيدته وشرائعه.
الجمع بين التأصيل والتحذير: فقلَّ أن تجد سلفياً إلاّ ويذكر المسألة مقرونة بدليلها، وفي الوقت نفسه تجده يحذر من أهل البدع، وهذا التحذير إنما هو رحمة بعموم الخلق، حتى لا يقعوا فيما يدعو إليه، بل هو رحمة بالمردود عليه نفسه، حتى لا يكثر أتباعه فتكثر أوزاره.
الجمع بين التصفية والتربية: وهذه هي طريقة أتباع هذا المنهج في الإصلاح، حيث يقومون بتخليص الإسلام مما دخل عليه ما ليس منه من البدع والخرافات، ثم تربية أفراده على العقيدة الصحيحة التي كان عليها الرعيل الأول لهذه الأمة، فليس همّهم تكثير السواد.
نبذ التعصب والتقليد: فهو منهج يدور مع الدليل حيثما دار ويسير معه حيثما سار، وأهله يقبلون الحق ممن قاله حتى وإن كان دليلا سبهللا، ويردون الباطل ممن قاله حتى ولو كان عظيما مبجّلا.
الوسطية والاعتدال: ففي باب الأسماء والصفات وسط بين أهل التعطيل وأهل التمثيل، وفي باب أفعال الله وسط بين القدرية والجبرية، وفي باب الوعيد وسط بين المرجئة والوعيدية، وفي الصحابة وسط بين الروافض والخوارج، وهو وسط في الأخلاق والسلوك، يوالى الرجل ويحب على قدر دينه، ويعادى ويبغض على قدر معصيته.
الثبات والاتفاق: فهذا المنهج لا يختلف مع اختلاف الزمان والمكان، إذ لا تؤثر فيه التغيرات السياسية أو الاجتماعية، لأنّ مبناه على الوحي الذي يثمر اليقين، ولهذا تجد أهله متفقون على اختلاف أقطارهم، وهم لا يتقلبون في الدين كما هي عادة أهل الأهواء.
الحث على الاجتماع: وفي المقابل ينهى عن الفرقة والاختلاف، ولهذا يرى أهله وجوب السمع والطاعة لولاة الأمر في المعروف، مع النصيحة لهم سرًا والقول بتحريم الخروج عليهم حفاظا على أمن المجتمع المسلم.
الشمولية: فالمنهج السلفي منهج شامل يسعى لإصلاح الدين والدنيا وإصلاح الراعي والرعية، وذلك بتنظيم العلاقة بين الحاكم والمحكوم، بما يحقق حفظ الدين والأنفس والأعراض والأموال والعقول التي هي من الضروريات الخمس.
وفي الختام أقول: إنّ إتباع منهج السلف رضوان الله عليهم هو أمر الله وأمر رسوله ، فلا يجوز لأحد الانحراف عنه قيد أنملة، فالمنهج السلفي منهج ملزم لكل مسلم صادق في إسلامه، قال الله تعالى: "ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى و يتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولّى و نصله جهنّم و سآءت مصيرا" -النساء: 115- وقال النبي : "عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة" -رواه أبو داود، والترمذي وابن ماجه، وأحمد، وصححه الألباني- ومن اشتبه عليه الحق في مسألة من المسائل فضلًا عن مذهب من المذاهب، فعليه بطلب العلم، لأنّ الأمر كما قيل: اعرف الحق تعرف أهله، ومن عرف أنّ الحق في كتاب الله تعالى وفي سنة رسول الله بفهم الصحابة وتابعيهم بإحسان، ثم اجتهد في معرفة هذا الحق بالنقل الثابت عنهم، متوكلًا على الله، سائلًا إياه السداد والهدى، فإنّ الله سيمنُّ عليه بالهداية، فأَسألُ الله أنْ يَهدينا وإخواننا المسلمين إلى سواء السبيل، إنّه ولي ذلك و القادر عليه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه ومن اقتفى أثره إلى يوم الدين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق